ابن أبي أصيبعة

573

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

فاضلا في صناعة الطب أقام بدمشق مدة ولم يحصل له بها ما يقوم بكفايته وسمع بالديار المصرية وأنعام الخلفاء فيها وكرمهم وإحسانهم إلى من يقصدهم ولا سيما من أرباب العلم والفضل وتاقت نفسه إلى السفر وتوجهت أمانيه إلى الديار المصرية فلما وصلها أقام بها أياما وكان قد سمع بالشيخ السديد طبيب الخلفاء وما هو عليه من الأفضال وسعة الحال والأخلاق الجميلة والمروءة العزيزة فمشى إلى داره وسلم عليه وعرفه بصناعته وأنه إنما أتى قاصدا إليه ومفوضا كل أموره لديه ومغترفا من بحر علمه ومعترفا بأن مهما يصله من جهة الخلفاء فإنما هو من بره ويكون معتدا له بذلك في سائر عمره فتلقاه الشيخ السديد بما يليق بمثله وأكرمه غاية الإكرام ثم بعد ذلك قال له وكم تؤثر أن يطلق لك من الجامكية إذا كنت مقيما بالقاهرة فقال يا مولانا يكفيني مهما تراه وما تأمر به فقال له قل بالجملة فقال والله أن أطلق لي في كل شهر من الجاري عشرة دنانير مصرية فإني أراها خيرا كثيرا فقال له لا هذا القدر ما يقوم بكفايتك على ما ينبغي وأنا أقول لوكيلي إن يوصلك في كل شهر خمسة عشر دينارا مصرية وقاعة قريبة مني تسكنها وهي بجميع فرشها وطرحها وجارية حسناء تكون لك ثم أخرج له بعد ذلك خلعة فاخرة ألبسه إياها وأمر الغلام أن يأتي له ببغلة من أجود دوابه فقدمها له ثم قال له هذا الجاري يصلك في كل شهر وجميع ما تحتاج إليه من الكتب وغيرها فهو يأتيك على ما تختاره وأريد منك أننا لا نخلو من الاجتماع والأنس وإنك لا تتطاول إلى شيء آخر من جهة الخلفاء ولا تتردد إلى أحد من أرباب الدولة فقبل ذلك منه ولم يزل ابن النقاش مقيما في القاهرة على هذه الحال إلى أن رجع إلى الشام وأقام بدمشق إلى حين وفاته أقول وكان الشيخ السديد قد قرأ صناعة الطب واشتغل على أبي نصر عدنان بن العين زربي ولم يزل الشيخ السديد مبجلا عند الخلفاء وأحواله تنمى وحرمته عندهم تتزايد من حين الآمر بأحكام الله إلى آخر أيام العاضد بالله وذلك أنه كان وهو صبي مع أبيه في خدمة الآمر بأحكام الله وهو أبو المنصور بن أبي القاسم أحمد المستعلي بالله بن المستنصر إلى أن استشهد الآمر في يوم الثلاثاء رابع ذي القعدة من سنة أربع وعشرين وخمسمائة بالجزيرة وكانت مدة خلافته ثمانية وعشرين سنة وتسعة أشهر وأيام ثم بقي في خدمة الحافظ لدين الله وهو أبو الميمون عبد المجيد بن الأمير أبي القاسم محمد بن الإمام المستنصر بالله وبويع للحافظ يوم استشهاد الآمر ولم يزل في خدمة الحافظ إلى أن انتقل في اليوم الخامس من جمادى الآخرة من سنة أربع وأربعين وخمسمائة ثم خدم بعده للظافر بأمر الله وهو أبو منصور إسماعيل بن الحافظ لدين الله وبويع له في ليلة صباحها الخامس من جمادى الآخرة سنة أربع وأربعين وخمسمائة عند انتقال والده ولم يزل في خدمته إلى أن استشهد الظافر بأمر الله وذلك في التاسع والعشرين من المحرم سنة تسع وأربعين وخمسمائة ثم بعد ذلك خدم الفائز بنصر الله وهو أبو القاسم عيسى بن الظافر بأمر الله وبويع له في الثلاثين من المحرم سنة تسع وأربعين وخمسمائة ولم يزل في خدمته إلى أن انتقل الفائز بنصر الله في